عبد الوهاب بن علي السبكي
129
طبقات الشافعية الكبرى
والثاني ما أقرره قائلا لو فرضنا بقاء المعرفة في قلبه فلله تعالى أن لا يعتد بإيمانه ولا يعتبره ما لم يكف عن هذه الأمور وله تعالى أن يجعل الإقدام على هذه الأمور مساويا للجهل به في الحكم بالتكفير المقتضى للخلود في النار وما يقوله القدرية في التعديل والتجوير عندنا باطل فإن قلت لقد لاح من كلامك عودا على بدء أن الإيمان التصديق فهل أنت مختار لذلك مخالف للسلف قلت أما السلف فلا يخالفون كيف وهم القدوة غير أنا قلنا إن كلامهم محتمل لأن يجمع بينه وبين من يقول بالتصديق بما تقدم أو أنهم إنما قالوا ذلك في الإسلام فإن ثبت ذلك فلا مخالفة بين الفريقين وإن لم يثبت وهو الأقرب عند الإنصاف فأقول أمر هذه المسئلة مع عظم موقعها سهل راجع إلى التسمية فإن من يقول الإيمان التصديق لا يعتبره ما لم يكن معه نطق إن أمكن ومتى حصل معه نطق فالسلف يسمونه إيمانا ويسمون المتصف به مؤمنا وإن ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج ومسلما أيضا ويجعلون إيمانه صحيحا معتبرا وإن كان عاصيا بما فعل وبعض الأئمة منهم وإن قال بتكفير من ترك بعض هذه الأربعة كالصلاة فإن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه يكفر بتركها وهو وجه لبعض أصحابنا فلم يقل بتكفير تارك الزكاة والصوم والحج والسلف لا يسلكون مسلك المعتزلة القائلين بالمنزلة بين المنزلتين وأنه يخرج عن حد الإيمان ولا يدخل في حيز الكفران ولكنه عندهم عاص أمره تحت المشيئة إن شاء الله عاقبه وإن شاء عفا عنه والقائلون بأن الإيمان التصديق موافقون على هذا فلم يكن بينهم من الاختلاف إلا ما لا عظيم تحته نعم الخلاف بينهم وبين المعتزلة والموافقين للسلف أمره خطر لأن المعتزلة وافقوا السلف في أن الإيمان قول وعمل ونية ولكن أخرجوا العاصي عن الإيمان والسلف لا يخرجونه